الخميس، 30 أغسطس 2018

كتب عبدالله السفر-جريدة الوطن السعودية

عبدالله السفر 2013-10-12 يتسلّل الشعورُ بالإحباط وتباطن الكآبة نصوصَ الشاعرة وضحى المسجّن في كتابها "السير وحيدة برفقة أغنية وكلب" (دار مسعى للنشر والتوزيع ـ البحرين، 2013). ثمّة توقّفٌ للجسد وانسحاب من مجرى الحياة العام بكلِّ ما فيه من اضطرابٍ وحركة وتعالق، وعطالة روحيّة تنسدل معها ستائر كتيمة على العالم الذي يتبدّى فاقداً معناه الذي يحقّق الحياةَ وعيْشَها باحتدامٍ وتدافعٍ تحرّكُهُ قيمةٌ ويهزُّهُ هدف : "الآن في ساعةٍ مفتوحة الذراعين في يومٍ مكرّر كغلطة فيلم سينمائي لا رغبة لديّ في تلوين أيّ شيء لا فمي المُمَزّق ولا وردٍ أبيضَ يذبلُ في مزهريتي). إنّ ذهاب الرغبة يشي باندحار الوجود الذي تجري ترجمتُهُ عمليّاً عبر تضاؤل القوى الحيوية في بعدها الفسيولوجي والمعنوي؛ إعراض عن الخارج والتسربل بالعزلة وانكفاء إلى الداخل حيث الفراغ الكبير الذي لا سبيل إلى ترميمه إذ الخدوش المتوالية استحالت جرحاً ونزيفاً؛ وهاويةً لا قرارَ لها تعزّز تعبيراً سِمَتُهُ اللامبالاة والاستنقاع قبالة وقائع العالم ويوميّاته. تنخفضُ شحنة التوتر إلى الصفر. المؤشّر يلزمُ صفريّته وحياديّته. اللااكتراث يصبغ التعامل. كأنما لا شيء يحدث ولا شيء يمر، وإنْ بدت بادرة فإنها تصبُّ في غرابة الانوجاد كنتوءٍ يستعصي عليه الاندماج والحضور: "هادئة ومستسلمة لا يزال بإمكاني أن أبتسم أقصدُ أن أُزيلَ الطحالب عن وجهي وأرفعُ عينيَّ للضوء الأصفر في بدايةِ كلِّ صباحٍ غريبٍ ومبتور". "الفمُ المُمَزّق" بالكلمةِ ومساراتِها؛ المشطورُ في إبعادٍ لا يمكن الإحاطة بها لفرط الخفاء ولبالغ الإعياء، نجدُ صداه في نص "شيء هامشي كقطط الشوارع". إرادة القول معتقلة في العي والحصر وعدم التحدّد. ينفتح النص بجملة "أريدُ أن أقول شيئاً" لكنّ هذا "الشيء" مراوغ وممتنع؛ هائمٌ بوجوهٍ كثيرة تندُّ عن التعيين. كلما وقعَ وجهٌ نقضَهُ آخر واكتنفتْهُ الحيرةُ من أقطاره، يتوزّعُهُ القلق الذي لا يستقر ولا يثبت؛ يترحّل في الأضداد.. في غموضها واستعصائها بين متناقضين لا لقاءَ بينهما ولا جَبْرٌ يضمّ أو يجسر. "شيءٌ" كأنه اللامساس. يصعبُ الاقترابُ منه ومناورةُ حدودِهِ الزلقة: "شيءٌ يكاد أن يشبهَنا جميعاً لكنه في اللحظة الأخيرة ينحرف عن مساره حتى لا يشبهُ أحداً ... شيءٌ مريضٌ وأعمى وأكبر من أن تحتويه قطعة لحمٍ نيّئة وحمراء بحجم قبضة الكف" "شيءٌ" برسمِ الهدمِ والانخلاع. لا يتشكّل إلا لينفرطَ ويذهبَ بدداً في "ذاكرة الألم"؛ ينحلُّ فيها الصوتُ والجسدُ والروح انحلالاً على غير ما أرادتْهُ الصورة وعلى خلاف المُبتغَى من العملِ ومن مراوحةِ التشكيلِ والصَّوْغ: "أتذكّره وأتفاجأ كما لو أني ألمسُهُ أو أقولُهُ، ومن يومٍ لآخر ومن فرط المفاجأة أعاود إنتاجَهُ في أوضاعٍ متعددة" ومع طبقاتِ المحاولة التي ترسم وتزيّن وتسعى نحو الخفّة والألق وإشعاع الرغبة، إلا أنّ الخرقَ يردم تلك المحاولات فإذا بالصوت، تلقاهُ، مشروخاً والجسد مجروحاً والروح: "لا شيء": "لا أعثر على أحد لا يعثر عليّ أحد". .. فلا عجبَ أن تظهرَ في هوامش هذه التجربة إشارتان إلى اسمين إبداعيين موشومة روحاهما بالمرارة والعذاب، وانتهى بهما الحال إلى الانتحار (الروائية الإنجليزية فرجينيا وُولف، والشاعرة الأميركية سيلفيا بلاث)، ولعلّ هذا ما جعل النص الأخير في الكتاب "عزف" أشبه بمعزوفة جنائزيّة لِما تساقَطَ من حلمٍ وحبٍّ ووطنٍ وحياة؛ تذريةٌ شاملةٌ في حقل الفقد الذي لم يبقِ للذات متّكَأً ولا جهة سوى أن تستدعي النهاية: "ثَبِّتُوا أطرافَ روحي على الخشبة ودُقُّوا المسامير".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كتب عبدالله السفر-جريدة الوطن السعودية

عبدالله السفر 2013-10-12 يتسلّل الشعورُ بالإحباط وتباطن الكآبة نصوصَ الشاعرة وضحى المسجّن في كتابها "السير وحيدة برفقة أغنية وكلب...