الخميس، 9 أغسطس 2018

أخيلة / وترُ قصيدة أو... جنة «وضحى»

كتبت عنود عبيد الروضان أخيلة / وترُ قصيدة أو... جنة «وضحى»

  • 05 أغسطس 2009
  • | عنود عبيد الروضان | حاولتُ...
لكني أفقتُ رصيفَ موتى
أنزوي في لحن أغنيةٍ
يغرّبني التماعُ الفكرة العمياء
أمشي مثلَ مأخوذ
وقلبي... لا يقلّبني
ولا يجثو تفاصيلَ الكلام الرخو
في الذكرى.
«الشاعرة البحرينية وضحى المسجن».
هناك ضوضاءٌ تهدأُ بين الصمتِ... ووتر القصيدةِ حينَ تتمثلُ بصورها المنفردة... إن بدَتْ راقدةً كحمامةٍ في عش القلبِ يصلُ بها التحليقُ إلى وطنٍ لم يكن... أو شاهقة كحلمِ طفلٍ يفسرُ السماءَ دونَ خوفٍ... وقبلَ أن تُفلِتَ الأفكارُ رجفتها إلى أطرافِ وعيهِ الناعمة. حينَ نظرتُ إلى وضحى المسجن مساء الأربعاء الماضي... في أول ارتباكاتِ اللحظةِ، وفي أقصى مسافاتِ الكلامِ تتبَّعتُ غايةَ الرؤى التي يكشفُ بها الشعرُ عن ذاتهِ... غير مترددٍ ولا تاركٍ غريباً يعيدُ أسرارهُ إليهِ... أو يختنقُ في مكانٍ يغادرهُ الزمنُ والوجوهُ ليبقى فارغاً معبأً بالهواءِ حدَّ اختناقهِ فقط... فكلُّ الأشياءِ كانت بمنتهى نقائها تترتبُ... لتُقالَ... فتحيا! وفي دفءِ المعنى كانت أعيننا أشدَّ تعبيراً عما نشعرهُ عميقاً... بما سادَ عوالمَ أُخرَ تسكنها القصيدةُ لا نراها إلا في مدننا المكتملةِ المستحيلة... أحسسنا بسؤالٍ أزليٍّ يعدُّدُ احتمالات الإجابةِ... أو يكررُ لذةَ اكتشافِ موتٍ ليس عارياً... كالحياة؛ يريدُ أن يلخصَ قبلهُ الشعرُ كلَّ ما قد تضيقُ به ليالٍ لا توجعها أضلاع حبٍّ حارسة؛ أنصَتنا للقصيدةِ... كما أنصتنا لنا مأخوذينَ بذاكرةٍ كونيّةٍ نظيفة! كنا يا وضحى هناكَ لا نتأملُ... صورةَ الفتى الأسمر وحدها؛ ولا نعترفُ لكفِّ الصبيّةِ بأنَّ ريفَ القلبِ أنصعُ «طيباً» من كل ما قد تُفْتَنُ به بهجتنا المؤقتة فقط؛ فالقصيدةُ بهجةٌ لا تتقنُ الرقصَ على قدمينِ... ولا تبحثُ عن نافذةٍ غامضةٍ تبتلعُ ضوءها؛ تلك المبتهجةُ بحزنها... القويةُ بألمها/ العاتبةُ/ الوحيدةُ/ العاتية/ المتمردةُ في جسدٍ أنثويٍّ يقدسهُ ارتفاعهُ وتفرّد... الحلم.

الآنَ حين أكتب سأقول إنَّ: أمسية «ملتقى الثلاثاء» يوم الأربعاء الماضي- كانت مختلفةً بحضور «إنسان» وضحى المسجن... وصوتها الشعري الجميل ؛ ذلك الصوتُ الذي نبهَ آخرينَ إلى أنَّ الشعرَ لا يعاني من قلقِ النهايةِ. ولا يبحثُ عن بدائلَ تعوّضُ غيابَ هيبتهِ إذ انهُ ما زال نابتاً في خصوبةِ الروحِ ومتفرِّعاً في رحابةِ وجودها.
لذلك المساءُ وجهٌ مختلفٌ... و«جهةٌ صحيحةٌ»، أثبتَ بها الشعرُ أنهُ حاضرٌ... وكما هو خالدٌ لا يشبهُ سواه

للقصيدة دورة حياة كاملة-حاورها عبدالحق بن رحمون



الشاعرة البحرينية وضحى المسجّن لـ الزمان
October 14, 2012
140
الشاعرة البحرينية وضحى المسجّن لـ الزمان 

حاورها عبدالحق بن رحمون

ماحكايتك مع القصيدة… وهل لك أن تروي لنا كيف تكتبينها والمراحل التي تمر منها؟


حين كنتُ في الثالثة عشر من عمري ارتبكتُ أمام غموض الحياة،الأسئلة التي بلا إجابات،الامتداد الغريب للعالم، حالة الشعور باللاشيء والشعور بكل شيء في آنٍ واحد..كل ذلك جعلني في حالة من القلق الذي كدتُ أضيع معه غير أن قصيدة عثرتْ عليّ وأعادتني للبيت، للحياة بكل تناقضاتها وأسئلتها التي بلا إجابات، هذه القصيدة اخترت أن أكون معها بعد ذلك في محاولة مني للإمساك بتلابيب العتمة في روحي. لا أجيد وضع خرائط معيّنة لكتابة القصيدة، ومامن طريقة أصف بها مايحدث ساعة الكتابة، لكل قصيدة دورة حياة كاملة تشبة حالة تخلّق الكائن البشري تلك اللحظة الفيزيائية التي تحكمها الأسباب بقدر ماتحكمها المصادفات، ثمّة بداية نقترحها أحياناً وتقترح هي حضورها أحياناً أخرى…بداية تتخلق فيها القصيدة من العزلة والصمت والتأمل، وهذه مرحلة قد تدخلها التداعيات التي تحضر لأسباب ذاتية وموضوعية لدى الشاعر، تداعيات يمكن تطويعها وفق قناعات الشاعر وتوجهاته،غير أن ثمّة شيء ما يصعب تحديد ماهيته يحضر في المنتصف أثناء كتابة القصيدة شيء غامض وهلاميّ يتخطى تكنيك الشاعر ولعبه باللغة والمجاز والتخييل ويحضر كيفما يشاء فتكون القصيدة.


ما موقع الخيال والصدق في تجربتك؟ وهل بمستطاعك أن تكتبي قصيدة كل يوم؟ 

التخييل جزء مهم لبنية أي عمل إبداعي والفن في مجمله إعادة خلق للواقع، غير أن التخييل واللغة الأدبية ليست غاية النص الشعري، والإنحياز للشِعر بالنسبة لي محاولة دائمة لتأكيد وعيي بالأشياء والكائنات والبشر والتعبير عن هذا الوعي باللغة والتخييل فالقصيدة بالنسبة لي ومنذ البداية لم تكن أبداً بناء كونكريتي نرصد فيه الكلمة إلى جانب كلمة أخرى بغرض خلق مفارقة مدهشة..الحكايات في قصائدي هي تجاربي بكل خيباتها وانتصاراتها، والحالات فيها هي وصف لما يحدث في مكان ما بين برزخ واقعي وبرزخ جنوني. بالنسبة لي بإمكاني أن أجتهد في كتابة قصيدة لكل يوم لكنها لن تكون صالحة للنشر في كل مرة،هل تعتقد أن بإمكان أحد أن يكتب كل يوم قصيدة إن يكن فهذا غريب جداً؟
 فأنا من نوع كلاسيكي جداً، لا يحب أن يستغل فرصة خلو قصيدة النثر من الوزن والقافية ليكتب كل يوم قصيدة..أعتبر أن الإفراط في إنتاج القصائد إساءة للذوق العام.

ماهي المراحل التي تمر منها قصيدتك… وهل سبق لك أن ندمت على قصيدة لم تكتبينها بعد أو كتبتها في وقت مضى؟ 

القصيدة لم تعد تنتظر أحد فالقصيدة التي لم أكتبها كتبها شاعر آخر، ولذا فأنا أندم على قصائد كتبها آخرون، وتبعاً لذلك فكل القصائد التي أحببتها لآخرين ندمت لأني لم أكتبها، لكني تخليت عن هذه العادة مع تدرّج الوعي والألم، وصرتُ أكتفي بتأمل قصائدهم بدلاً من تمني حيازة شرف كتابتها، إنهم يكتبون ذواتهم بقدر براعة موهبتهم ورهافة إحساسهم بما يتوافق مع تجربتهم..وعليّ أيضاً أن أكتب بما يعكس وعيي بالعالم، الكتابة في النهاية تجربة وليست سباقاً نتبارى فيه على تضنيفات مثل الأفضل و الأهم أو الأسبق.

وكل قصائد مجموعتي الأولى أشيرُ فيغرق مائي الصادرة عام2005 تطل عليّ بشيء من العتاب أحياناً لا لأني كتبتها ولكن لأني نشرتها في وقت مبكر، ولماذا هذا العتب؟ 

لأن أغلب نصوص المجموعة تنتمي لمرحلة سابقة جداً لمرحلة إصدار الديوان وبالكاد توجد ثلاث نصوص في المجموعة تمثل تجربتي وقت إصدار الديوان…لم أصدر المجموعة بوعي تام فقد أصدرتها تحت تشجيع بعض أعضاء أسرة الأدباء والكتّاب البحرينيين آنذاك، ربما لحماس دخول صوت شاب جديد في المشهد الشعري الذي توقف عند شاعرات الجيل الثمانيني، ولكنها بتأكيد كانت بداية لخطواتي على الطريق.. لربما لو لم تتاح لي فرصة إصدار تلك المجموعة لما اكتشفتُ نفسي في الكتابة ولربما اخترتُ طريقاً آخر غير الكتابة.

دائما أنت تخافين من أن تخذلك يوما الكتابة وتجف قريحتك، لذا تبدين مثل تلميذة مواظبة على الحضور؟…هل يوازي خوفك هذا خوفك من تقدمك في السن؟

الكتابة حاجة وضرورة بالنسبة لي؛ لذا أجلس لمكتبي وأكتب، أنا في ورشة ممتدة لصناعة القصيدة أو أي جنس كتابي آخر أجد فيه المقدرة للتعبير عن فكرة أؤمن بها ..العمل الكتابي يحتاج لإشتغال وتأني، والقصائد رغم كونها عالم من المفارقات واللامعقول إلا أن الفوضويّة تجعلها نصوصاً دادائيّة لاتعني إلا كاتبها. بالطبع علاقتي بالكتابة لم تجعلني مختلفة بالقدر الذي أقول فيه أن تقدمي في السن لايعني لي شيئاً، علاقتنا بأجسادنا جزء مهم من علاقتنا بذواتنا وأنا مثل أي امرأة ترعبني فكرة أن تغزو التجاعيد ملامحي، إلا أن لديّ الجرأة ــ حسب التصنيف الشائع ــ لأن أخبر أي أحد بعمري مهما تقدمت في السن… في كانون الأول ديسمبر الماضي بلغت الثانية والثلاثين من عمري…هل يعني هذا شيئاً رهيباً ومخيف فعلاً؟ 


هناك من يوسوس له الشعر كل لحظة بمكر، ويكتب بشراهة، أو بتقتير كأنه يتنفس الهواء من منخر واحد. قد ينشر أو لاينشر ماكتبه، بالنسبة إليك أي طريق ستوصلك إلى نار الشعر المصفى؟ 

الشِعر موجود في كل شيء، وما تفعله القصائد هو الكشف عن الشِعري في الأشياء، وهذا الشعري تكشف عنه القصائد تماماً كما يكشف عنه أي عمل فني مشغول بتأني، شياطين عبقر لم تعد موجودة ولن تلهم أو توسوس لأحد ليكتب، إنها موجود فقط في المفاهيم الكلاسيكيّ، أما الشِعر فعلينا نحن أن نلتفت له ونحاول اكتشافه عبر الكتابة، حين نلتفت للشِعر يمكن للقصيدة أن تحضر. بالنسبة لي ليست لديّ استراتجيات للطريق الذي سيوصلني للشِعر المصفى كما وصفت، إنني أحاول أن أعيش، أحبّ،أحلم وأكتشف كل مايمر بي ولذا أكتب.

شهد العالم العربي تغييرا في أنظمته، هل تنتظري مثل هذا التغيير والثورات في الثقافة والإبداع، وهل سيطول موعد تحقيق ذلك؟ 

الثقافي لا ينشأ بمعزل عن السياسي، والأنظمة الدكتاتوريّة من شأنها أن تكرّس مفاهيم مماثلة في الحقل الثقافي، هل تتصور مثلاً أن ذهنيّة المثقف العربي صارت ميالة لصناعة المثقف الدكتاتور، الذي يسبّح الكل باسمه وقوله لايدخله الباطل..هذا مايحدث في المجتمعات العربيّة، وقد يبدو لك الربط بين الأمرين غريباً نوعاً ما، ولكن هذا مايحدث فحين يفشل نظام ما في احترام المثقف يتحوّل المثقف نفسه لحليف للعبوديّة والإستبداد وعبد للدولة ثم لمؤسسة ثم لأفراد من المثقفين حتى لايخسر فرصة في الحياة وفي الإحتفاء بفنه أو إبداعه.أبعد هذا كله أليس من حق أي مبدع أن يجد في سقوط الدكتاتوريات تغييراً حقيقياً لصالح الإنسان والفن؟ 


التغيير الثقافي يحتاج لتغيير بنية التفكير ولايحتاج فقط لتغيير الدكتاتوريات في الأنظمة…وهو أمر يحتاج لوعي بمفهوم الديمقراطية يتأسس شيئاً فشيئاً جيلاً بعد جيل وصولاً لتغيير ملموس وبيّن.

هل من الضروري أن تكوني منتمية إلى مؤسسة ثقافية للأدباء….هذا من جهة ومن جهة أخرى، هناك من يرى أن الشاعر أو الشاعرة قد يضيع عمره كله ولا ينال الاعتراف، بالنسبة لك هل نلت هذا الاعتراف إلى هذه الساعة وماذا أضاف لك؟

الإنضمام للمؤسسات قد يتيح للمبدع فرصة تبادل الرؤى الإبداعية مع آخرين يحملون ذات التوجه الإبداعي غير أن نضوج أي تجربة إبداعية يحتاج لوعي من المبدع بماهية الإبداع وقدرته على المغامرة في الحياة والكتابة.لا أعرف حقيقية ما معنى أن يعترف بك الآخرون، فعندي حين أرضى عما أكتبه لايهمني أن أستحسنه الآخر أو لم يستحسنه، وحين لا أرضى عما أكتبه لن يعود مهماً لو أعترف به العالم بأسره، في النهاية ليست وظيفة المبدع مسايرة ذوق المتلقي وقناعاته…ورغم ذلك أجد أن لكثير مما أكتبه صدى طيب عند آخرين دفعهم للكتابة عن تجربتي بصدق لا على طريقة


المجاملات الحاصلة في الأوساط الأدبيّة… أجدني محظوظة إذا تحظى تجربتي باهتمام جيد قياساً بعزلتي وغيابي عن الأوساط الجاذبة لكل الفرص التي يحظى بها الشاعر على طريقة الكتابة عن تجربته، لإجراء حوارات معه واستضافته في مهرجان او ماشبه. كل ما يكتبه أي ناقد يخدم التجربة الإبداعية من الناحية الإعلاميّة فقط، خصوصا مع غياب النقد الحقيقي. 



حظ أعمى..حجارة خضراء


أبحث عن عبارة تصلح للضحك والبكاء على حد سواء، عبارة أخف من احتمال طبقات المعنى، وأثقل من الضياع في المعنى الوحيد، عبارة أكثر هشاشة من الصيغة البشريّة التي ننتمي إليها أنتَ وأنا، عبارة تحيا كلما عبر كتاب (قواعد العشق الأربعون) من يد إلى يد، كلما حضرت الأطياف وجفت المعاني وارتاب القارىء واهتز الظل وانمحى الأثر، وصارت الذكرى طحالب على لحاء شجرة مقطوعة الأطراف، صارت صدأ وفزاعة ونبتت من جديد في حياة أخرى..هكذا دائماً، هكذا أبداً، عبارة حادة وغريبة وغضة  كقلب.  
                                                                                              
 جرحتني كف العجوز التي تلوّح لي من نافذة الحافلة، جرحتني غرفة الفندق التي  جاءت على طريقة جيمس أيفوري في فيلم (غرفة بمنظر)، جرحني صوت عبير نعمه" مش وقتك يا هوى" و الحذاء الرياضي الأسود المهترىء  لسيدة تعبر أمامي لحظة مغادرة الطائرة.     
                                          
في بلد غريب وقفتُ في أرض ممتدة كل حجارتها حيّة، كل حجارتها خضراء، كان مشهداً شعرياً على نحو غير اعتيادي، مشهد يصلح للنهايات" لو أن الفتى حجرُ"، الحجر يا حبيبي.. أكثر خضرة من روحين قلقتين، الحجر أكثر خضرة من روحين مثقلتين بالاستعارات والشِعر والتخيّل.       
                       
 هذا الصباح عبرت أمامي في دراما مصرية..موسيقى (عمر خيرت)، موسيقى تصلح أن تسير على إيقاعها الحياة، موسيقى تصلح للحب والدموع والصمت، موسيقى تصلح للانعطافات الغريبة في حياة ممتدة.      
                                                                                             
"والله ما طلعت شمسٌ ولا غربت إلا وحبك مقرونٌ بأنفاسي"، لكنه القطار يا حبيبي.. يفوت مرة بعد مرة، لكنها التجربة رمية النرد أو (حظ أعمى) على طريقة ( كيشلوفسكي) في فيلم البارحة..حيثُ الحُبّ تجربة لا تكتمل أبداً
                                                                                                    
الحب "كائن لا تحتمل خفته" هكذا بدا لي الأمر أخيراً بعد أن سقطت الطائرة، الطائرة التي كانت تقل الممثل في فيلم "حظ أعمى".. هشاشة الحُبّ أمام انعطافات الحياة في كل عصر، هشاشة الحُب في الواقع كما في السينما.        
                                                                                  
 عليّ أن أنهض للحياة يا حبيبي، أشرب الماء الدافىء كما  كل صباح، أعد كوب شاي يناسب مزاجي وأستقبل اليوم، لكني أكتب الآن، أكتب وأتأمل العبارة.. رهيفة أخشى عليها من شراسة الروح، واضحة أخشى عليها من التأويل، جمالها "هادىء ورزين ومجنون" أخشى عليها أن تكون كرسي في حديقة عامة، وردة مخبئة في كتاب، أخشى أن تكون كتاب على الرف
                                           
علي أن أنهض للحياة يا حبيبي الآن.. ومن المرجح أن أترك كينونتي على السرير، بينما أقوم شخصياً بمجموعة أفعال عشوائية، هي طريقة استعدادي للحياة في الأيام التي ليست عُطلاً أسبوعية وليست آحاداً  كئيبة، أفتح نوافذ الغرفة ليعبر الضوء، أتوقف عن بروفه الكلام المتخيّل، استسلم لالتهاب الحنجرة القوي بينما أترك روحي تتمطى في مجموعة أفعال أخرى.
     
                                                       
منذ شهر وأنا أقرأ  كتاب كافكا (رسائل إلى ميلينا ) أوقف القراءة كثيراً، لأجل كوب شاي جديد، لأجل قيلولة لا إراديّة، لأجل صمت أبحث فيه عن نفسي، صمت كامل بلا  أي فكرة في تلافيف دماغي؛ فلا تكتمل المراسلات أبداً.   
                                                                          
 بمشاعر حيادية أشرب الماء الدافىء، أنظر سريعاً في المرآة، أخرج للقيامة الصباحية في قريتنا المزدحمة على الدوام، وقبل أن أخرج أتردد في شرب كوب شاي آخر، بعينينّ ناعستين أخرج للصباح، بضحكتي الغبيّة أتوقف لأطلب العلكة واللبن، ببذاءة شتائمي التي لا يسمعها سواي أحتمل الازدحام، أحتمل ثقل العاشرة صباحاً بالأغاني والموسيقى" وشارب الخمر  يصحو بعد سكرته وشارب الحُبّ طول العمر سكرانِ".         


بينما أنتظر الجملة التالية


الأحداث السيئة مرّت، الجفاء الواضح، الخيبة وخدش الروح بأظافر الكف التي كانت تحنو، أتخيّل أن ملامحي سقطت مني، والآن بلا عينين أو فم، ابتسامتي معلّقة في الفراغ، دموعي تنبع من تجويف قديم.
اشتقت صوت عبد الحليم "على حسب وداد قلبي يابويه"، اشتقت زهور طفولتي البيضاء التي كانت تنبت قريباً من الجدار المتهدّم في القرية، اشتقت لحلم يقظة بسيناريوهات محبّة بريئة لم تصح بعد بجفنين 
متورمين، اشتقت الاستسلام للملل دون معاملته بطريقة عصريّة بالهروب أو تبديد الوقت.

"كنت فين يا وعد يا مقدّر"، لم أكن أعلم أن (زهور الكِبر) التي أحببتها تنمو في المقابر، أن المحبّة مجرد قطن لحشو فجوات الروح التي كان بالإمكان حشوها بالموسيقى والصمت الممتد على طريقة "لا حب لكني أحب قصائد الحب القديمة".

بيما أنتظر الجملة التالية.. تنساب كآبتي بخفّة مع موسيقى (بوجدان أوتا)، أحاول أن أتبين مفضلاتي بعيداً عن دائرتك، لوحة فان كوخ (ليلة النجوم) لوحتي المفضلة، ليس لديّ روائي مفضل، ولا عطر مفضل، (أنف وثلاث عيون) فيلمي المفضل، موسيقى (عمر خيرت) في مفضلتي دائماً، أحب الشاي والخيال والشِعر والسينما والسلاحف، أحب الأسماك الملونة والأقراط أكثر من الروايات.. أحب أغاني الزمن الجميل وأردد مع نجاة "كله ده وقلبي ألي حبك لسه بيسميك حبيب".

بينما أراقب انخفاض منسوب حماستي للحياة تدريجياً، أقرأ في كتاب (حكاية عامل غرف) "إن افتراض أن الألم شيء يوزع بمعيار متكافئ، وإن كل إنسان يحصل على جرعة متساوية تقريباً يبدو نوعاً من الطمأنة الخرقاء"، تعجبني العبارة، أفكر أن أمررها في (تويتر) لكني لا أفعل، أكتفي بشرب القهوة المرّة.
أحاول بشكل جدي أن أتعلق بقضيّة أهتف أو أندد من أجلها، أي حدث، أي قضية، أي مناسبة: ضرورة حماية الحياة الفطرية، تدوير النفايات مثلاً، المنتخبات العربية المتأهلة لكأس العالم 2018، تكليف (عمر الرزاز) بتشكيل حكومة جديدة في الأردن، التفجيرات الأخيرة في بغداد، أحاول لكن دماغي مثل ورقة بيضاء والخواء الذي يحيط بروحي يمنعني من رؤية المشهد، فأكتفي بالصمت والكتابة، الكتابة عن الخيبة والمحبة والكآبة، أكتفي بسماع الأغنيات أغنية تلو أغنية "وأمسح دموعي بمنديلك".

لستُ حزينة على الجفاء يا حبيبي، يمكنني وضع كل شيء بعين الاعتبار الآن: بهجة الكتابة، شجني العاطفي، براءة روحي التي تعدو في برية الحياة، الخيط الرفيع بين الصداقة والمحبة، يمكنني الآن أن أرحب بالرؤية الرأسمالية عن الذات والمشاعر والوجود، أن أستسلم للمشاعر اللحظية العابرة ككل أفراد المجتمع الاستهلاكي.

رميتُ الوردة الذابلة، تركتُ المزهرية بوردة واحدة فقط، بينما أنتظر مصير (إيما) في (مدام بوفاري) فشلت لأكثر من مرة في تحضير كوب نسكافيه بمقادير معقولة، بيما أشاهد فيلم وحيد حامد (الإنسان يعيش مرة واحدة) تذكرت الحب الذي صممه ماركيز في (الحب في زمن الكوليرا).

ما الذي كنت أتوقعه؟ عن لباقة العالم، عن حوافه المسننة، عن مصير الكائن الهش فيه؟ (الكائن الذي لا تحتمل خفته)، ما الذي كنتُ أتوقعه حقاً؟ عن العالم الذي يروض تلقائية وبساطة الأرواح كي تصلح لسيرك الحياة العصريّة؟

أغادر المكان، من المقهى إلى البيت، من البيت إلى المقهى، كلما التفت هربتُ، أهرب من كثافة الزمن، من الأمكنة، أهرب من الخوف، الخوف يا حبيبي..العاطفة الوحيدة التي يمكنها أن تقف بشراسة في مواجهة سطوة الحُبّ..في البيت أعد كوب شاي بالهيل، بينما أنتظر الجملة التالية أرتشف الشاي وأستشعر رائحة الهيل تهيئ يومي من جديد.

اليوم غريب، مرة بعد أخرى شعرتُ بذلك الشعور الغامض، الشعور المبهم الذي يقتنص اللحظات الهادئة ويغرس أظافره في أعماقها، الماضي والحاضر والمستقبل دفعة واحدة كوعد لا يُرد، وأنا أضحك، أضحك من الغموض والالتباس والاغتراب، أضحك من الحُبّ والشِعر واللامعنى. "كل ده كان ليه؟".
هامش:

-لا حب لكني أحب قصائد الحب القديمة- جملة شعرية لمحمود درويش.
-(مدام بوفاري) رواية فلوبير.
-أنف وثلاث عيون - فيلم مأخوذ عن رواية الكاتب المصري (إحسان عبد القدوس).
-الكائن الذي لا تحتمل خفته- رواية ميلان كونديرا.


زهور كثيرة وتيشرت موشى بالترتر


أيتها القصائد ..نيئة أنا بما يكفي لأكون فريستكِ، نيئة وسهلة وبلا دموع تقريباً، تعالي يا مصاصة الدماء، لا تقلقي من جوعكِ، لا تخافي شراسة الحنين، وسطوة المعنى، سأسهر معكِ الليلة، سأغني لكِ مع وردة "أتاري البعد عنك خلاني حته منك"، سأشعل لكِ شموعاً برائحة اللافندر شمعة بعد شمعة، وغداً أشتري لكِ سمكة ملونة جديدة أو سلاحف صغيرة.                                                                                                                                                            

تعالي أيتها القصائد، اقتربي أكثر، سأهبكِ حشيشة روحي دون مجاز أو استعارات، سأهبكِ دمي كاملاً، سأهبك براءة روحي. تعرفين معنى الحزن أيتها القصائد؟ تعرفين معنى الخيبة؟ الحب؟ الجفاء والقسوة؟ تعرفين معنى أن تصاب الروح العاطفيّة بصدمة شديدة؟ تعرفين معنى أن تبقى الروح عالقة بين حجارة العالم في صوت أو ملامح؟

لا تخافي أيتها القصائد، ما من ذاكرة أو فكرة كل ما في الأمر أني غفوتُ بصعوبة واستيقظتُ بخفّة، لن أحنو على حجر الأرض حين أمشي اليوم، لن ألتفت لجرو ضال يتلوى على طول طريقي إلى العمل متأثراً بحرارة مايو، سأحتفظ بالحنان كاملاً لي وأردد مع (فتحي أبو النصر) "آهٍ..من الذين لم يدركوا حنان القسوة بعد".

غير خائفة أنا من كآبة النهاية، الوقت مناسب جداً لبعض الحزن والدموع، الإجازة الأسبوعية، ضحكة أختي، اللهفة التي ادخرتها عامين كاملين و"كأن قلبي زاهد أو زائد عني كحرف الكاف في التشبيه" يمكنني الآن أن أقرأ كتاب باتريك زوسكيند -(عن الحُبّ والموت)- الذي اشتريته مؤخراً، أنتقي جُملاً أشارك بها في لعبة تمرير الاقتباسات عبر وسائل التواصل.

(هع) غير خائفة أنا من كآبة النهاية، ويمكنني على سبيل التغيير استبدال الضحك بالدموع، سأبتسم للجميع يا حبيبي..سأبتسم لمن في الشارع/ في العمل/ وفي بيوت العائلة، سأبتسم لهم ابتسامتي الصفراء الغبيّة..ابتسامة طرف الخد.

سمة الجروح أنها تطيب، تندمل، تتلاشى، وأنا الفوضويّة المنظمة، الشرسة الهادئة، المُحِبّة الحقود.. أنا إجمالي التناقض الماثل هنا لن تختلف سمة جرحي عن المألوف، جرحي الغض، جرحي الذي تخدشه أغنية، فكرة أو ذكرى..يتعافى.

ما يحدث الآن أن خفّة نادرة تحيط بروحي، وأنا أستمع لياني، أتصفح كتاب زوسكيند مجدداً، أفكك عباراته إلى كلمات لا تعني شيئاً (الحب: ذهول، حمّى، جنون، مسألة شخصيّة، هوس)، أعد لي كوب شاي على طريقة (يوسف الخال) في الدراما اللبنانية (لو)، وبطريقة بالغة الحداثة أواجه الجفاء يا حبيبي، أستبدل بالرمان المصري العنب، وبالكابتشينو القهوة المرّة، أركن كتب ميلان كونديرا بقرب صناديق الكتب المهملة كي تتسلى بهم عثّة الكتب، لكني برغم ذلك أشعر بخواء حقيقي يعبر روحي، خواء وخفة في الوقت ذاته، أرى روحي ماثلة أمامي بينما أتفرج عليها من علو، "تواعدني بالوصل ثم تخلفني" والصمت هائل ويشبه الأبدية، "تواعدني بالوصل ثم تخلفني" وقلبي قطعة لحم نيئة وحمراء بحجم قبضة اليد، "تواعدني بالوصل ثم تخلفني" وروحي في ما يشبه الإغفاءة.

الحياة يا حبيبي تشبه الحلم، حلم طويل يقطعه انتباه بين ساعة وأخرى، بين يوم وآخر، بين سنة وأخرى، ويمكننا خلال كل انتباه أن نمرر صورنا عبر فيسبوك، أن نتسلى بمعاقبة من يحبوننا على مواقف تافهة، أن نعد قوائمنا الخاص بقراءة الكتب ومشاهدة الأفلام ويمكننا كذلك الاستمتاع بخيرات الحياة الاستهلاكية، أما الفراق فلا يعني شيئاً والحب كذلك قد لا يعني شيئاً؛ لذا أريد مكافأة نفسي، تدليل كآبتها وخيبتها بك بالكثير من الزهور، بأقراط جديدة، (بالتيشرت) الأسود الذي تتوسطه جمجمة موشاة (بالترتر)، (التيشرت) الذي ترددت أن أشتريه لأنه معروض ضمن تشكيلة الملابس الرجالية، أريد مشاهدة فيلم (جين آير) للمرة المليون، كي أؤمن مجدداً أن المحبّة ليست أمراً تافهاً وزائداً عن الحاجة...وأريد قبلتك على جبيني في زمنٍ مضى بلقطة بطيئة كأنك تصلي.
/
هامش: *هع-بالعامية المصرية معناها بالعربي الفصيح لا تساوي جناح بعوضة، وتستخدم للتعبير عن عدم الاكتراث بأي شيء.
*"كأن قلبي زاهد أو زائد عني كحرف الكاف في التشبيه-لمحمود درويش.

/
وضحى المسجّن
نشر النص في ضفة ثالثة


حرب ناعمة..مآثر صغيرة


كنتُ أضيقُ ذرعاً بالكُتّاب الذين، وبدعوى الحياة العصريّة، يفرطون في تصوير الكُتب والقهوة، وكنتُ أعتقد أني ضد الإفراط في التقاط الصور، ثم اكتشفتُ لاحقاً أن لديّ أنانية نوعيّة، وأن مهمتي عكسيّة، مهمتي: عدم الإفصاح عن الكتب الجميلة                                                                                

كل لحظة ثقافية لها مساحتها من الغموض، ومن العبث أن تخبر الآخرين بالكتب الجميلة التي عثرت عليها، الكتب التي قرأتها، ثم لماذا أقوم بهذا الدور المقيت..أحول بين البشر وبين فرصهم في تلقي المفاجأة؟! أو الإحساس بالاكتشاف!! لماذا أعيق فرصهم في الندم على الوقت المهدور في قراءة كتّاب؟!

قرأتُ/ الكتاب المميز  الذي قرأته/ ماذا أقرأ الآن...لا أريد أن أكون سخيّة لهذه الدرجة!!  أشعر بمسافة تبعدني عن نفسي كلما هممتُ بالدخول في هذه اللعبة، أعني عرض خارطة قراءاتي للآخرين، والتي تقترح بدورها خارطة قراءة الآخر، لا أريد أن أكون سخيّة لهذه الدرجة، أريد أن تكون لدي حربي الخاصة، حربي الناعمة: (عدم  الإفصاح عن الكتب). إنها إحدى مآثري الصغيرة؛ كي لا نصحو ذات يوم على نسخ كثيرة تسير في الاتجاه نفسه وفق المزاج ذاته تقريباً أو ما يشابهه.

أنا في سكر مُكتمل: أكتب وعلى غير العادة أستمع لموسيقى لا تشبهني كثيراً، وكعادتي الغريبة حين أكتب أبكي بدون سبب محدد وواضح، بجانبي كتاب لم أكمل قراءته ولا أدري إن كنتُ سأكمل قراءته، كتاب عثرتُ عليه كما يعثر الإنسان علىى محبة ما ..بالصدفة عثرتُ عليه بينما كنتُ أبحث عن شيء آخر.

يا كتابي المغلق، أنا كتابك المفتوح، هل تشهد الحياة التي أشهدها الآن؟ حياة حديثة، عصرية جداً، تتقاطع مع الجمال كثيراً، لكن كل شيء فيها مُتاح، متاح دائماً، متاح أبداً، كل ما يضيع يستعاد، ما يتشوه يعاد إنتاجه مكتملاً، الغائب له بديل مشابه في النوع، استحدثت الحياة أشكالاً جديدة للحضور لا تخضع لقوانين الفيزياء، وحده الخيال قليل، التخمين، قلق الاحتمالات والمفاجأة أيضاً.
هل تشهد مثلي هذه الوفرة الموجعة؟ الكتب كثيرة، القرّاء كُثر، الأحبة كُثر، الأصدقاء بالملايين!! عالم مخيّب، لا تحتاج فيه للصدفة، للمفاجأة، لا شيء فيه موارب أو ملتبس وغامض، هذه هي الطبعة الجديدة من الحياة بلا انتظار ولا ارتباك ولا ترقب.. " لنبكِ يا حبيبي.. فقد نسينا نعمة البكاء من زمان"

استغنيت عن مكتبتي، تخففت من كتبها، وما تبقى علبته في صناديق، صارت لديّ (مكتبة معلبة)، ما رأيك في هذا المصطلح المجنون؟ المكتبة المعلبة..ما رأيك في شخصيتي الجديدة؟ أنا أعرف أني أعجبك حين أكتب، لا يهم هذا خروج على النص، المهم أن  ما يحدث الآن هو أن رغبتي في قراءة كتاب منها  يعني مشقة فتح الصناديق واحداً تلو الآخر للعثور على الكتاب المنشود، ومشقة إغلاق الصناديق مجدداً.

ما الذي يحدث لي هذه الأيام؟ سأفترض أن الأمر يعنيك؟ ما يحدث أن لديّ هواجس على نحو غير اعتيادي، الكتب مثلاً تحاصرني في كل مكان وأهرب، الكتب تأتيني على طبق من ذهب وأهرب، حين يقترح عليّ أحدهم كتاباً ينتابني هلع مفاجىء، وأخاف أن أكون مضطرة للإفصاح عن كتبي المفضلة..أرتبك وشيئاً فشيئاً أفقد قدرتي على التحكم في انفعالاتي، أتهاوى وأجدني على المقصلة.

بالمناسبة لا أزال أشاهد الأفلام أكثر من قراءة الكتب، ومؤخراً أخبرني أحد الأصدقاء أن أحدهم قال: "السينما هي كتب العصر الحديث"، ما الذي أفعله الآن؟ أفرط في شرب الشاي، أنا في مرحلة الكوب السادس تحديداً، لديّ كل شيء تقريباً، ما عليّ إلا أن أحافظ على حصتي من المصادفة والمفاجأة والكتب الجميلة والأصدقاء، والحب.. أنتَ تعرف أنها أشياء لا تتكرر كل يوم.
هامش:
1-"لنبكِ يا حبيبي فقد نسينا نعمة البكاء من زمان"من قصيدة لنزار قباني.
2-"السينما هي كتب العصر الحديث" مقتبس نسيت قائله.
/
وضحى المسجّن
البحرين - يوليو 2017
نشر النص في ضفة ثالثة


بدون تخطيط


كنتُ أحاول أن أمضي قدماً في المحافظة على تلقائية علاقتي بالشعر والقراءة، أقرأ شيئاً غير مدفوعة بتنازلي للآخرين عن خياراتي فيما أجده جميلاً أو مهماً أو مدهشاً، بدون تخطيط لقراءة شيء رائج حالياً، خطر في بالي (حلمي سالم)، ربما لأن مزاجي مصري منذ أيام، في الأغاني والقراءات والأفلام.
حلمي سالم..لكني شعرتُ بالخوف فجأة من كآبة محتملة وأنا أتأمل(مدائح جلطة المخ)، وفكرتُ أن أعدل عن قراءة (حلمي سالم) لصالح سماع (الأغنية التي أبكت ملايين العشاق)، أغنية غبية لم تستدر مني دمعة واحدة رغم أني أبكي بسهولة، نحن على الأرجح..
"نقاوم الشجن بعصر ما بعد الصناعة
لكن مشهد عبد الحليم وأخيه
في حكاية حب
ينتقم للقتلى"1
على العموم من الأجدى لي لأسباب شعرية على الأقل أن أقرأ (مدائح جلطة المخ) أقرأ وأنا أستمع لهاني شاكر" نسيانك صعب أكيد" أقرأ وأنا أكتب، أكتب و"أمزج الشحاذة بالغرام"2، أقرأ بشكل درامي وهو أمر أقوم به هذه الأيام بسهولة بالغة، قبل يومين على سبيل المثال أكملت قراءة كتاب(هاني درويش) (إني أتقادم) ثم اكتشفت إني قرأته في حلم.
(مدائج جلطة المخ) مهيئة أمامي وخيالي أكبر عشرة أضعاف من حجم جمهورية الحب والكآبة و" ليس من حل أمامي
سوى أن أستدعي الله والأنبياء
ليشاركوني في حراسة الجثة
فقد تحونني شهوتي
أو يخذلني النقص"3
أما بعد..فإني أحب هذه الدراما التي أكتب بها لحظة الحزن، لحظة الحزن الطارئة، جمالية وكآبة أن توجد بين الحلم والواقع، لا أريد أن أقول شيء سوى أني بالفعل أقرأ كتاب حلمي سالم(شرفة ليلة مراد) أقرأ وأكتب، أمزج الحلم بالواقع..وكلما أفقت أصرخ: يحيا المجد الاستهلاكي، تحيا المحبة الافتراضیة، تحيا صفحاتنا على الفيس بوك، في (مديح الكراهية) ، في (مدح الحب)، في (مدائح جلطة المخ)....في صحتك.


مونولوج النموذج



لقد تم تعميم النموذج الذي أنا عليه، وحين خرجت من الغرفة رأيتُ نسخاً كثيرة تتحدث عن العزلة، وعن الهلع من كثافة حضور الآخرين، بشر كثيرون يوجعهم انعكاس ظلهم على أرضية الطريق، بشر كثيرون توجعهم بقايا القهوة في الكوب، بشر يلتفتون لأي شيء عابر في المشهد الأساسي.  
لقد تم تعميم النموذج، وحين خرجتُ من الغرفة رأيتُ نسخاً كثيرة تتحدث عن الكتابة كما لو كانت جرحاً، بشر يتحدثون عن ذاكرتهم أكثر مما يتحدثون عن ذكرياتهم، بشر لا يمكنهم أن يكونوا في الآن بشكل كامل.
لقد تم تعميم النموذج، خريطة الكآبة التي ثبتتني في كتاب الوجود بإحكام، المرض الذي أخذني للحبُّ أحياناً وللشِعر دائماً، لكني غير قادرة على الدخول إلى المصنع لاكتساب السمات الجديدة التي تم إضافتها للنموذج السابق سنةً بعد سنة، والتي ستتيح لي التقاط صوراً للكتب التي أقرأ، إقامة حفل تدشين لروحي المتآكلة من قلق مزمن، إخبار العالم عن مكاني في الأمس والآن وغدا.  
أنا النموذج المطوّر عن نموذجٍ آخر كان متصدراً لمشهد الحياة قبل عشرين سنة من الآن، والنموذج السابق الذي كان متصدراً لمشهد الحياة قبل عشر سنوات من الآن، النموذج الذي يحاولون اليوم صنع نسخاً مطوّرة عنه..يلزمني أن أتوقف عن سماع عبدالحليم، ألتقط صوراً للكتب التي أقرأ، صوراً لأنا وأنا الأخرى في بيت اليابانيين الذي أزوره باستمرار، صوراً للنبتة الأنيقة على مكتبي، يلزمني أن أتحدث عن المحبة بمنطق المستهلك، وعن الأصدقاء كعدد في السوشيال ميديا، تلزمني مقولات في مديح القهوة، واقتباسات عن هواجس الكتابة والقلق الوجودي، يلزمني أن أعيش الفرح بطريقة ممسرحة، حتى أتحوّل مرةً أخرى لنموذج مطوّر عن نموذجٍ سابق يظن نفسه الأصل


كتب عبدالله السفر-جريدة الوطن السعودية

عبدالله السفر 2013-10-12 يتسلّل الشعورُ بالإحباط وتباطن الكآبة نصوصَ الشاعرة وضحى المسجّن في كتابها "السير وحيدة برفقة أغنية وكلب...