الشاعرة البحرينية وضحى
المسجّن لـ الزمان
October 14, 2012
140
الشاعرة
البحرينية وضحى المسجّن لـ الزمان
حاورها عبدالحق بن رحمون
ماحكايتك مع القصيدة… وهل لك أن تروي لنا كيف تكتبينها والمراحل التي تمر منها؟
حين كنتُ في الثالثة عشر من عمري ارتبكتُ أمام غموض الحياة،الأسئلة
التي بلا إجابات،الامتداد الغريب للعالم، حالة الشعور باللاشيء والشعور بكل شيء في
آنٍ واحد..كل ذلك جعلني في حالة من القلق الذي كدتُ أضيع معه غير أن قصيدة عثرتْ
عليّ وأعادتني للبيت، للحياة بكل تناقضاتها وأسئلتها التي بلا إجابات، هذه القصيدة
اخترت أن أكون معها بعد ذلك في محاولة مني للإمساك بتلابيب العتمة في روحي. لا
أجيد وضع خرائط معيّنة لكتابة القصيدة، ومامن طريقة أصف بها مايحدث ساعة الكتابة،
لكل قصيدة دورة حياة كاملة تشبة حالة تخلّق الكائن البشري تلك اللحظة الفيزيائية
التي تحكمها الأسباب بقدر ماتحكمها المصادفات، ثمّة بداية نقترحها أحياناً وتقترح
هي حضورها أحياناً أخرى…بداية تتخلق فيها القصيدة من العزلة والصمت والتأمل، وهذه
مرحلة قد تدخلها التداعيات التي تحضر لأسباب ذاتية وموضوعية لدى الشاعر، تداعيات
يمكن تطويعها وفق قناعات الشاعر وتوجهاته،غير أن ثمّة شيء ما يصعب تحديد ماهيته
يحضر في المنتصف أثناء كتابة القصيدة شيء غامض وهلاميّ يتخطى تكنيك الشاعر ولعبه
باللغة والمجاز والتخييل ويحضر كيفما يشاء فتكون القصيدة.
ما موقع الخيال والصدق في تجربتك؟ وهل بمستطاعك أن تكتبي قصيدة كل يوم؟
التخييل جزء مهم لبنية أي عمل إبداعي والفن في مجمله إعادة خلق للواقع، غير أن التخييل واللغة الأدبية ليست غاية النص الشعري، والإنحياز للشِعر بالنسبة لي محاولة دائمة لتأكيد وعيي بالأشياء والكائنات والبشر والتعبير عن هذا الوعي باللغة والتخييل فالقصيدة بالنسبة لي ومنذ البداية لم تكن أبداً بناء كونكريتي نرصد فيه الكلمة إلى جانب كلمة أخرى بغرض خلق مفارقة مدهشة..الحكايات في قصائدي هي تجاربي بكل خيباتها وانتصاراتها، والحالات فيها هي وصف لما يحدث في مكان ما بين برزخ واقعي وبرزخ جنوني. بالنسبة لي بإمكاني أن أجتهد في كتابة قصيدة لكل يوم لكنها لن تكون صالحة للنشر في كل مرة،هل تعتقد أن بإمكان أحد أن يكتب كل يوم قصيدة إن يكن فهذا غريب جداً؟
فأنا من نوع كلاسيكي جداً،
لا يحب أن يستغل فرصة خلو قصيدة النثر من الوزن والقافية ليكتب كل يوم قصيدة..أعتبر
أن الإفراط في إنتاج القصائد إساءة للذوق العام.
ماهي المراحل التي تمر منها قصيدتك… وهل سبق لك أن ندمت على قصيدة لم تكتبينها بعد أو كتبتها في وقت مضى؟
القصيدة لم تعد تنتظر أحد فالقصيدة التي لم أكتبها كتبها شاعر آخر، ولذا فأنا أندم على قصائد كتبها آخرون، وتبعاً لذلك فكل القصائد التي أحببتها لآخرين ندمت لأني لم أكتبها، لكني تخليت عن هذه العادة مع تدرّج الوعي والألم، وصرتُ أكتفي بتأمل قصائدهم بدلاً من تمني حيازة شرف كتابتها، إنهم يكتبون ذواتهم بقدر براعة موهبتهم ورهافة إحساسهم بما يتوافق مع تجربتهم..وعليّ أيضاً أن أكتب بما يعكس وعيي بالعالم، الكتابة في النهاية تجربة وليست سباقاً نتبارى فيه على تضنيفات مثل الأفضل و الأهم أو الأسبق.
وكل قصائد مجموعتي الأولى أشيرُ فيغرق مائي الصادرة عام2005 تطل عليّ
بشيء من العتاب أحياناً لا لأني كتبتها ولكن لأني نشرتها في وقت مبكر، ولماذا هذا
العتب؟
لأن أغلب نصوص المجموعة تنتمي لمرحلة سابقة جداً لمرحلة إصدار الديوان وبالكاد توجد ثلاث نصوص في المجموعة تمثل تجربتي وقت إصدار الديوان…لم أصدر المجموعة بوعي تام فقد أصدرتها تحت تشجيع بعض أعضاء أسرة الأدباء والكتّاب البحرينيين آنذاك، ربما لحماس دخول صوت شاب جديد في المشهد الشعري الذي توقف عند شاعرات الجيل الثمانيني، ولكنها بتأكيد كانت بداية لخطواتي على الطريق.. لربما لو لم تتاح لي فرصة إصدار تلك المجموعة لما اكتشفتُ نفسي في الكتابة ولربما اخترتُ طريقاً آخر غير الكتابة.
دائما أنت تخافين من أن تخذلك يوما الكتابة وتجف قريحتك، لذا تبدين مثل تلميذة مواظبة على الحضور؟…هل يوازي خوفك هذا خوفك من تقدمك في السن؟
الكتابة حاجة وضرورة بالنسبة لي؛ لذا أجلس لمكتبي وأكتب، أنا في ورشة ممتدة لصناعة القصيدة أو أي جنس كتابي آخر أجد فيه المقدرة للتعبير عن فكرة أؤمن بها ..العمل الكتابي يحتاج لإشتغال وتأني، والقصائد رغم كونها عالم من المفارقات واللامعقول إلا أن الفوضويّة تجعلها نصوصاً دادائيّة لاتعني إلا كاتبها. بالطبع علاقتي بالكتابة لم تجعلني مختلفة بالقدر الذي أقول فيه أن تقدمي في السن لايعني لي شيئاً، علاقتنا بأجسادنا جزء مهم من علاقتنا بذواتنا وأنا مثل أي امرأة ترعبني فكرة أن تغزو التجاعيد ملامحي، إلا أن لديّ الجرأة ــ حسب التصنيف الشائع ــ لأن أخبر أي أحد بعمري مهما تقدمت في السن… في كانون الأول ديسمبر الماضي بلغت الثانية والثلاثين من عمري…هل يعني هذا شيئاً رهيباً ومخيف فعلاً؟
هناك من يوسوس له الشعر كل لحظة بمكر، ويكتب بشراهة، أو بتقتير كأنه يتنفس الهواء من منخر واحد. قد ينشر أو لاينشر ماكتبه، بالنسبة إليك أي طريق ستوصلك إلى نار الشعر المصفى؟
الشِعر موجود في كل شيء، وما تفعله القصائد هو الكشف عن الشِعري في الأشياء، وهذا الشعري تكشف عنه القصائد تماماً كما يكشف عنه أي عمل فني مشغول بتأني، شياطين عبقر لم تعد موجودة ولن تلهم أو توسوس لأحد ليكتب، إنها موجود فقط في المفاهيم الكلاسيكيّ، أما الشِعر فعلينا نحن أن نلتفت له ونحاول اكتشافه عبر الكتابة، حين نلتفت للشِعر يمكن للقصيدة أن تحضر. بالنسبة لي ليست لديّ استراتجيات للطريق الذي سيوصلني للشِعر المصفى كما وصفت، إنني أحاول أن أعيش، أحبّ،أحلم وأكتشف كل مايمر بي ولذا أكتب.
شهد العالم العربي تغييرا في أنظمته، هل تنتظري مثل هذا التغيير والثورات في الثقافة والإبداع، وهل سيطول موعد تحقيق ذلك؟
الثقافي لا ينشأ بمعزل عن السياسي، والأنظمة الدكتاتوريّة من شأنها أن تكرّس مفاهيم مماثلة في الحقل الثقافي، هل تتصور مثلاً أن ذهنيّة المثقف العربي صارت ميالة لصناعة المثقف الدكتاتور، الذي يسبّح الكل باسمه وقوله لايدخله الباطل..هذا مايحدث في المجتمعات العربيّة، وقد يبدو لك الربط بين الأمرين غريباً نوعاً ما، ولكن هذا مايحدث فحين يفشل نظام ما في احترام المثقف يتحوّل المثقف نفسه لحليف للعبوديّة والإستبداد وعبد للدولة ثم لمؤسسة ثم لأفراد من المثقفين حتى لايخسر فرصة في الحياة وفي الإحتفاء بفنه أو إبداعه.أبعد هذا كله أليس من حق أي مبدع أن يجد في سقوط الدكتاتوريات تغييراً حقيقياً لصالح الإنسان والفن؟
التغيير الثقافي يحتاج لتغيير بنية التفكير ولايحتاج فقط لتغيير الدكتاتوريات في الأنظمة…وهو أمر يحتاج لوعي بمفهوم الديمقراطية يتأسس شيئاً فشيئاً جيلاً بعد جيل وصولاً لتغيير ملموس وبيّن.
هل من الضروري أن تكوني منتمية إلى مؤسسة ثقافية للأدباء….هذا من جهة ومن جهة أخرى، هناك من يرى أن الشاعر أو الشاعرة قد يضيع عمره كله ولا ينال الاعتراف، بالنسبة لك هل نلت هذا الاعتراف إلى هذه الساعة وماذا أضاف لك؟
الإنضمام للمؤسسات قد يتيح للمبدع فرصة تبادل الرؤى الإبداعية مع آخرين يحملون ذات التوجه الإبداعي غير أن نضوج أي تجربة إبداعية يحتاج لوعي من المبدع بماهية الإبداع وقدرته على المغامرة في الحياة والكتابة.لا أعرف حقيقية ما معنى أن يعترف بك الآخرون، فعندي حين أرضى عما أكتبه لايهمني أن أستحسنه الآخر أو لم يستحسنه، وحين لا أرضى عما أكتبه لن يعود مهماً لو أعترف به العالم بأسره، في النهاية ليست وظيفة المبدع مسايرة ذوق المتلقي وقناعاته…ورغم ذلك أجد أن لكثير مما أكتبه صدى طيب عند آخرين دفعهم للكتابة عن تجربتي بصدق لا على طريقة
المجاملات الحاصلة في الأوساط الأدبيّة… أجدني محظوظة إذا تحظى تجربتي باهتمام جيد قياساً بعزلتي وغيابي عن الأوساط الجاذبة لكل الفرص التي يحظى بها الشاعر على طريقة الكتابة عن تجربته، لإجراء حوارات معه واستضافته في مهرجان او ماشبه. كل ما يكتبه أي ناقد يخدم التجربة الإبداعية من الناحية الإعلاميّة فقط، خصوصا مع غياب النقد الحقيقي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق