أيتها القصائد ..نيئة أنا بما يكفي
لأكون فريستكِ، نيئة وسهلة وبلا دموع تقريباً، تعالي يا مصاصة الدماء، لا تقلقي من
جوعكِ، لا تخافي شراسة الحنين، وسطوة المعنى، سأسهر معكِ الليلة، سأغني لكِ مع
وردة "أتاري البعد عنك خلاني حته منك"، سأشعل لكِ شموعاً برائحة
اللافندر شمعة بعد شمعة، وغداً أشتري لكِ سمكة ملونة جديدة أو سلاحف صغيرة.
تعالي أيتها
القصائد، اقتربي أكثر، سأهبكِ حشيشة روحي دون مجاز أو استعارات، سأهبكِ دمي
كاملاً، سأهبك براءة روحي. تعرفين معنى الحزن أيتها القصائد؟ تعرفين معنى الخيبة؟
الحب؟ الجفاء والقسوة؟ تعرفين معنى أن تصاب الروح العاطفيّة بصدمة شديدة؟ تعرفين
معنى أن تبقى الروح عالقة بين حجارة العالم في صوت أو ملامح؟
لا تخافي
أيتها القصائد، ما من ذاكرة أو فكرة كل ما في الأمر أني غفوتُ بصعوبة واستيقظتُ
بخفّة، لن أحنو على حجر الأرض حين أمشي اليوم، لن ألتفت لجرو ضال يتلوى على طول
طريقي إلى العمل متأثراً بحرارة مايو، سأحتفظ بالحنان كاملاً لي وأردد مع (فتحي
أبو النصر) "آهٍ..من الذين لم يدركوا حنان القسوة بعد".
غير خائفة
أنا من كآبة النهاية، الوقت مناسب جداً لبعض الحزن والدموع، الإجازة الأسبوعية،
ضحكة أختي، اللهفة التي ادخرتها عامين كاملين و"كأن قلبي زاهد أو زائد عني
كحرف الكاف في التشبيه" يمكنني الآن أن أقرأ كتاب باتريك زوسكيند -(عن الحُبّ
والموت)- الذي اشتريته مؤخراً، أنتقي جُملاً أشارك بها في لعبة تمرير الاقتباسات
عبر وسائل التواصل.
(هع) غير خائفة أنا من كآبة
النهاية، ويمكنني على سبيل التغيير استبدال الضحك بالدموع، سأبتسم للجميع يا
حبيبي..سأبتسم لمن في الشارع/ في العمل/ وفي بيوت العائلة، سأبتسم لهم ابتسامتي
الصفراء الغبيّة..ابتسامة طرف الخد.
سمة الجروح أنها تطيب، تندمل،
تتلاشى، وأنا الفوضويّة المنظمة، الشرسة الهادئة، المُحِبّة الحقود.. أنا إجمالي
التناقض الماثل هنا لن تختلف سمة جرحي عن المألوف، جرحي الغض، جرحي الذي تخدشه أغنية،
فكرة أو ذكرى..يتعافى.
ما يحدث
الآن أن خفّة نادرة تحيط بروحي، وأنا أستمع لياني، أتصفح كتاب زوسكيند مجدداً،
أفكك عباراته إلى كلمات لا تعني شيئاً (الحب: ذهول، حمّى، جنون، مسألة شخصيّة،
هوس)، أعد لي كوب شاي على طريقة (يوسف الخال) في الدراما اللبنانية (لو)، وبطريقة
بالغة الحداثة أواجه الجفاء يا حبيبي، أستبدل بالرمان المصري العنب، وبالكابتشينو
القهوة المرّة، أركن كتب ميلان كونديرا بقرب صناديق الكتب المهملة كي تتسلى بهم
عثّة الكتب، لكني برغم ذلك أشعر بخواء حقيقي يعبر روحي، خواء وخفة في الوقت ذاته،
أرى روحي ماثلة أمامي بينما أتفرج عليها من علو، "تواعدني بالوصل ثم
تخلفني" والصمت هائل ويشبه الأبدية، "تواعدني بالوصل ثم تخلفني"
وقلبي قطعة لحم نيئة وحمراء بحجم قبضة اليد، "تواعدني بالوصل ثم تخلفني"
وروحي في ما يشبه الإغفاءة.
الحياة يا
حبيبي تشبه الحلم، حلم طويل يقطعه انتباه بين ساعة وأخرى، بين يوم وآخر، بين سنة
وأخرى، ويمكننا خلال كل انتباه أن نمرر صورنا عبر فيسبوك، أن نتسلى بمعاقبة من
يحبوننا على مواقف تافهة، أن نعد قوائمنا الخاص بقراءة الكتب ومشاهدة الأفلام
ويمكننا كذلك الاستمتاع بخيرات الحياة الاستهلاكية، أما الفراق فلا يعني شيئاً
والحب كذلك قد لا يعني شيئاً؛ لذا أريد مكافأة نفسي، تدليل كآبتها وخيبتها بك
بالكثير من الزهور، بأقراط جديدة، (بالتيشرت) الأسود الذي تتوسطه جمجمة موشاة
(بالترتر)، (التيشرت) الذي ترددت أن أشتريه لأنه معروض ضمن تشكيلة الملابس
الرجالية، أريد مشاهدة فيلم (جين آير) للمرة المليون، كي أؤمن مجدداً أن المحبّة
ليست أمراً تافهاً وزائداً عن الحاجة...وأريد قبلتك على جبيني في زمنٍ مضى بلقطة
بطيئة كأنك تصلي.
/
هامش: *هع-بالعامية
المصرية معناها بالعربي الفصيح لا تساوي جناح بعوضة، وتستخدم للتعبير عن عدم
الاكتراث بأي شيء.
*"كأن قلبي زاهد أو زائد
عني كحرف الكاف في التشبيه-لمحمود درويش.
/
وضحى المسجّن
نشر النص في ضفة ثالثة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق