الجمعة، 26 أغسطس 2016

العزلة مكون أساسي لدى كثير من المبدعين


أجري الحوار ضمن تجهيزات المشاركة في مهرجان غوتمبرغ عام 2015 والذي جرى بمشاركة مجموعة من الشاعرات السعوديات والبحرينيات في السويد، اختير جزء من الحوار للنشر في مجلة KRIT IKER، صاغت أسئلة الحوار الشاعرة منى الصفار.
1-من أين يخلق الشعر من وجهة نظر وضحى الشعرية؟ وهل حالة الخلق هذه إلهام كما كان يقال؟ أم أنه يمكن للشاعر خلق اللحظة تماما كما يخلق القصيدة؟ 

الحالة الشِعرية موجودة في كل مكان وفي كل لحظة، يُصادفها كافة البشر حتى أؤلئك الذين لم يتحدثوا يوماً عن الشِعر ولم يتعاطوه قراءةً أو كتابة، نظرة الإنسان للحجر والشعور به حالة شِعرية، حديث الإنسان مع شخص غائب حالة شِعرية، الصمت المفاجىء أمام موقف ما حالة شِعرية، الهروب من الحياة حالة شِعرية، ارتكاب خطأ فادح عشنا نحذر الآخرين من الوقع فيه حالة شِعرية، إذن فاللحظة الشعرية موجودة دائماً لكن الأمر يتعلق بالإنسان فثمة إنسان كتب هذه اللحظة وثاني لم يكتبها وثالث حاول كتابتها وعجز. الشاعر يخلق القصيدة أما اللحظة فموجودة مسبقاً  كل ما يحدث إننا نلتفت لها  ونكتب تفاصيلها المتمثلة في موقف ما أو حدث ما فتكون القصيدة.

أما بالنسبة للإلهام فهو موجود في الزمن الذي كتبنا فيه كلماتنا الأولى دون قرار منا في أن نقرن أسمائنا بالشعر، وموجود في اللاوعي الذي يدفعنا للكتابة عن شيء ما من زاوية معينة لم نقصدها، أو الكتابة عن شيء لم نفكر فيه بينما نحاول الكتابة عن موضوع يشغلنا.. هكذا كأن نجد أنفسنا نكتب عن دمعة طفل شاهدنه بشكل عابر بينما نحاول كتابة قصيدة عن تجربة حبّ نمر بها، لكن  الالهام كنوع من الوحي يمكن أن ينتج قصائداً جميلة دون جهد منّا فهو سحر لا ينبغي الإيمان به والاعتماد عليه، لأنه وأن حدث فهو يحدث في مرات نادرة أو لنقل يحدث بشكل جزئي.
2-نصوصك في "السير وحيدة برفقة أغنية وكلب" نصوص ذاتية جداً، منغمسة في النظر لعالمك الداخلي من وجهة نظر شخصية.. تلك الذاتية منحت النص مساحة الصدق التي تصل للمتلقي، الشعور بالألم والخيبة والانكسار، الشخصية الشاعرة الحقيقية تنعكس في الكلمات بشكل واضح، الإنسانة بهزائمها، باختلافها تصل للمتلقي بعفوية. هل تجدين نفسك في هذا الخط؟ أقصد الإنغماس في الذاتية؟ بما يبدو غير معنيّ بالعالم الخارجي؟ أم أن ما يحدث في الخارج قد تكون هذه الذاتية طريقة للتعبير عنه؟ 

 كل نص فيه من الذاتية حتى النصوص التي تتحدث عن الآخر فيها شيء من الذاتية؛ لأنها تروي الحدث من وجهة نظر فرد ووفق قناعاته وتوجهاته مهما بدا  لنا أنه مجرد راوٍ لما يواجهه الآخر أو يعانيه، ومن جهة أخرى فإن العثور على مفاهيمنا الخاصة اتجاه الوجود بكل مافيه ومن فيه، ومعرفتنا ولو بشكل جزئي بذواتنا هو محاولة منّا لمعرفة الآخرين ،فالإنسان واحد في كل مكان وإنما تختلف الأرواح نتيجة اختلاف التجربة الحياتية التي تفرضها الظروف والبيئة، في كتابي (السير وحيدة برفقة أغنية وكلب) كتبتُ عن العزلة كما أفهمها وكما أعيشها، والعزلة ليست حالة خاصة بوضحى وإنما هي حالة عامة يمر بها أغلب المبدعين وتوّلد لديهم شعوراً باختلافهم عن الآخرين المحيطين بهم، وشعور أي فرد بأن ما كتبته يلامس مشاعره يعني بشكلٍ ما أن ثمة بشر آخرين يشعرون بهذه الحالة التي أمر بها ، أو يجدوني أعبر عن شيء ما يخصهم.





 
3-هل تؤمنين بوجود ناقد داخلي عند الكاتب؟ أم أن نرجسية الشاعر أو ربما تورطه العاطفي مع النص قد تمنعه من النظر في نصه بشكل موضوعي وحيادي أحيانا؟ وفي المقابل هل تجدين أن هناك حضور للنقد الحقيقي في البحرين خاصة وفي الخليج بشكل عام؟ 

كل تجربة إبداعية مميزة لابد أن يكون صاحبها ملتفتاً لصوت الناقد داخله، وهذه الحالة التي تعبرين عنها بمصطلح(الناقد الداخلي) لا تعني بالضرورة وضع النص على طاولة التشريح والتفات لكل كلمة فيه والسؤال عن مدى ملائمتها، ولا يعني أيضاً التفات لكل مضامين النص وتسليط مفاهيم ومصطلحات المناهج النقدية عليه، ولكن يعني بشكل مبسط تشذيب النص من الشوائب التي قد تكون مجرد حشو أو تكرار لا طائل منه، قد تكون محاولة لكتابة الجملة ذاتها بسلاسة أكبر، قد تكون التفكير ملياً قبل نشر النص لعدم الوثوق في أهميته، وهذا أمر يتم بشكل عفوي أثناء كتابة النص أو بعده حتى أن المبدع قد يمر بهذه المرحلة دون أن يلتفت لكونه مارس هذا الدور.

أما بالنسبة لما دُرِجَ البعض على تسميته (التورط العاطفي) فعلينا أن نمعن التدقيق في هذا التعبير وأبعاده، وأتصور أن تعبير كهذا  يقصد بشكل ما أن وجودنا في تجربة معينة أو كوننا أحد الأفراد الفاعلين فيها أو المنفعلين بها يفقدنا القدرة على الحكم على الأمور بشكل حيادي أو موضوعي، والأمر يختلف قليلاً حين يتعلق الأمر بالتجربة الإبداعية فثمة احساس داخلي يعرف به المبدع إذا كان عمله خلاّقاً أو عادياً ولكنه لا يفصح عادة عن ذلك ولايتبينه بشكل دقيق لذا فإن  أي تورط عاطفي من شأنه أن يمنع الكاتب من رؤية عمله بعين فاحصة قد توقفه على الحسن والرديء في نصه أعتبره قصور في الوعي بالتجربة الإبداعية بتعبير آخر أفترض أن يكون كاتب النص مجرد كاتب يتسلى بالكتابة بدافع الفراغ أو الملل، عموماً التعامل مع النص بمنطق عاطفي لدرجة تجعلك عاجزاً عن الالتفات لمواضع الرداءة فيه هو تورط ينم عن السذاجة، فالكتابة الجيدة تستلزم قدرتك على اختبار لغته ونصك إضافة للموهبة والاحساس..مسألة التورط العاطفي هذه تذكرني بعبارة أحبها وأؤمن بها لندريه جيد تقول"بالعواطف الجيدة ينشأ الأدب الرديء".

طبعاً ثمة حضور نقدي في البحرين والخليج لكن التجارب النقدية الأميز هي تجارب النقد الثقافي، التي تمثلت في تجارب مثل تجربة الدكتور نادر كاظم والدكتور علي الديري و عبدالله الغذامي، ذلك أن تجارب نقد النص هي تجارب قليلة مقارنة بتجارب النقد الثقافي أو توقفت عند مرحلة ما وإلا فتجربة علوي الهاشمي في نقد النص والتي طرحها في كتابه (السكون المتحرك) تعد دليلاً بارزاً على الحضور النقدي المتميز في البحرين.

4-هل من الممكن أن يتحول الشاعر إلى روائي؟ خصوصاً مع ارتفاع معدل الطلب على الرواية في مقابل اقتصار الشعر على نخبة من القراء، وهل تجدين أن تخصص الكاتب في تصنيف معين كشاعر أو كقاص أو كشخص معني بالسرد مثلا أمراً جيداً؟ أم أن الخوض في غمار الكتابة في المطلق هو باب مفتوح لكل من يقع في فخ الكتابة؟ وهل من الممكن أن نقرأ ذات يوم رواية موقعة باسم وضحى المسجن؟

من وجهة نظري القصيدة هي رواية أيضاً ولكن الفرق أنّا في القصيدة نروي الحدث بشكل أكثر تكثيفاً بينما نعمد في القصة لرواية الحدث بإسهاب واقفين على التفاصيل بأكثر من طريقة مضيفين لذلك وجهة نظر الشخوص الفاعلين أو المنفعلين بالحدث المروي، كل ما في الأمر أن الناس لا تميل لقراءة نص مكثف وأحياناً لا تميل لنص يطرح الأسئلة دون إجابات وهذا ما يفعله النص الشعري غالباً، الناس تريد الإجابات لأن الأسئلة موجعة تؤرقك وتقذفك بعيداً وتجعلك تعيساً، الإجابات مريحة تأخذك للطمأنينة تخبرك أن ثمة حل للمشكلة والرواية تقدم غالباً الإجابات التي يريدها الناس لذا فإن أي عمل روائي يخرج عن هذه الإطار الذي يقدم للناس الإجابات من النادر أن يلقى رواجاً، الأعمال الروائية المميزة أيضاً يقل قارئها.

شخصياً لا أهتم كثيراً بالتسمية شاعر أو روائي، أميل لفكرة أن هناك كاتب جيد وكاتب سييء أياً كان الجنس الأدبي الذي ينتجه، بالنسبة لي لم أقرر أن أكتب شعراً أو قصة أو رواية، ربما لن تصدقين حين أخبرك أني كتبت لسنوات دون أن أعرف أن ما أكتبه قد يسمى شِعراً وعرفت ذلك عن طريقة الصدفة حين أطلعت على بعض الكتب نتيجة اهتمامي بقراءة الكتب الأدبية بشكل عام،أما بخصوص كتابة الرواية فهذا وارد جداً أن أكتب نص روائي إذا اقتضت التجربة ذلك، لكني لا أكتب أي شيء فقط لأن الموضة هي كتابة الرواية أنا أكتب لأن تجربتي تقتضي ذلك فحين أجد أن ما يعبر عني يلائمة قالب الرواية ستكون الرواية وحين أجد ما أن ما يعبر عني يلائمة قالب القصيدة تكون القصيدة.

5-هل تجدين أن النشر ضرورة؟ أم أن النشر الإلكتروني أصبح كافياً للوصول للمتلقي؟ ماهو الفرق ومن ينال الأفضلية بين المطبوع والنشر الإلكتروني الذي اتجه له عدد من الشعراء واكتفوا به لأسباب أو لأخرى؟ 

هذه إشكالية بالفعل، النشر الإلكتروني مناسب لنص، لمقطع من نص، لكن نشر عمل كامل.. رواية أو كتاب شعرية فالأمر هنا متروك لحرية كاتب النص ورؤيته عن النشر الإلكتروني، أحياناً أشعر أن نشر الكتاب إلكترونياً  ظلم لجهد الكاتب وعدم تقدير منه لتجربته وأظن أن كثيرين يلجئون لذلك لأنهم محبطين ويجدون أن أعمالهم مهمة وعلى دور النشر الالتفات لها ونشرها دون أن يدفعوا المال ، وآخرين يلجئون لذلك لأنهم يبحثون عن فرصة للحياة بشكل أفضل فيستغلون المبلغ الذي سيدفعونه لطباعة الكتاب في تيسير أمورهم الحياتية الأخرى، فالكاتب في النهاية لا يكتب طوال الوقت أنه يعيش أيضاً ومن حقه أن يحصل على شيء من الرفاهية في حياته أو يعيش بشكل جيد على الأقل، ودفع مبلغ كبير لطباعة كتابه قد يحرمه من فرص العيش بشكل جيد، في النهاية الزمن لم يعد مناسب أن نكون شهداء من أجل الكتابة، لم يعد مناسباً أن نعيش الحرمان من أجل طباعة كتاب أن لم نكن نستطيع، فالمأساة موجودة سلفاً والحياة مستعدة لتقديمها لنا في صور جميلة وخادعة  وحيث لا نتوقع؛ لذا علينا أن نحاول أن نعيش جيداً كما نحاول أن نكتب جيداً قبل أن تحضر المأساة الحقيقة إلينا.

6-هل تعتقدين بأنك وصلت لطموحك الشعري نظراً لكونك واحدة من أهم الأصوات الشعرية النسائية في البحرين، وما الذي تتطلع له وضحى الشاعرة والكاتبة في المستقبل؟

ليس لديّ طموحات فيما يتعلق بالشِعر، كل ما يهمني أن أستمر في كتابة ما أظنه الشِعر، وعلى أقل تقدير حين أعجز عن كتابته أطمع أن أستمر في الإيمان به، لا أريد أن  يكون توقفي عن الكتابة ناتج عن فقدان إيماني بالشِعر، أحبّ الشِعر وأبحث عنه دائماً، وأشعر بسعادة لا توصف كلما قرأت قصيدة جميلة لأي أي إنسان وسأكون سعيدة حين أحافظ على محبتي هذه.

7-مرحبا 
ياعزلتي..
مرحباً يا أناي الذي لا أقصده ولا أخونه."
من نص السير وحيدة برفقة أغنية وكلب، تتحدث وضحى كثيراً عن العزلة حتى يبدو أحيانا بأنها المكون الرئيس في شخص وضحى الشاعرة لدرجة أنك وضعتها بتوصيف "أناي" ما الذي يمنح العزلة هذه الأهمية لديك؟ وما الذي خلق هذا الإلحاح في طلبها؟

العزلة تحافظ على المسافة بينك وبين الآخرين، الأمر الذي يجعلك تفهم ذاتك والوجود بشكل أعمق، عدم تقدير العزلة قد ينتج عنه أمراً فادحاً يجعل منك مجرد فرد يعيش ضمن الدائرة التي عاشها أغلب البشر ويحرمك فرصة اكتشاف نفسك، في (السير وحيدة برفقة أغنية وكلب) تحدثت عن العزلة كما أفهمها وأستشعرها عبر تجربتي الشخصية، لكن العزلة ليست مكون خاص بوضحى، العزلة مكون أساسي لدى كثير من المبدعين، وهي ليست عزلة خارجية كما يتوقعها البعض ليست العزلة  التي تجعلك في حيز مكاني محدد مفصولاً عن البشر، إنها ما هي تلك الحالة التي تعيشها حتى وأنت محاط بعشرات البشر، هي رغبتك في أن تكون ذاتك في الرأي والميول والأفكار والسلوك مهما كنت مرفوضاً وغير متوائماً مع الأغلبية من المحيطين بك. ما من إلحاح في طلبي للعزلة ، العزلة لا تطلب إنها توجد أو لا توجد، وكل ما فعلته في كتابي (السير وحيدة) أني كتبت عنها في محاولة لفهم أبعادها.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كتب عبدالله السفر-جريدة الوطن السعودية

عبدالله السفر 2013-10-12 يتسلّل الشعورُ بالإحباط وتباطن الكآبة نصوصَ الشاعرة وضحى المسجّن في كتابها "السير وحيدة برفقة أغنية وكلب...