الأحد، 17 يوليو 2016

الجنون تقريباً


لديّ فضول لأعرف ما الذي يحدث تحديداً مع مجنون قريتنا هذه الأيام ليظل يُحدّث نفسه بصوت كالضجيج، ويُخربش جدران الظلام قبل أن يُغادر خيوطه نحو الفجر، فالساعة الثالثة وخمسٌ وأربعون دقيقية ليست وقتاً مُناسباً ليُحدّث فيه المرء نفسه، بهذا الشكل الصاخب الذي يُوْقظ العالم من أحلامه وكوابيسه
.
لكن اللافت في الموقف على رغم غرائبيته، وجنونه بطبيعة الحال، هو أن يُحدّث المرء نفسه، أن يصرخ في وجه نفسه، أن يتشاجر معها؛ فكثيرون لم يعودوا يتحدثون إلى أنفسهم؛ بل والأمرُّ من ذلك أنهم اعتادوا أن يصرخوا في وجه العالم بدلاً من الصراخ في وجه أنفسهم، ولذا فهم يتشاجرون مع العالم بدلاً من الشجار مع أنفسهم أيضا
ً.
أن يُحدّث المرء نفسه، أن يُحدّث المرء الآخر. لماذا هذه المُفاضلة بين الموقفين؟
على رغم أن حديث المرء لنفسه في الساعة الثالثة فجراً بالشكل الذي يُوقظ العالم أمراً مجنوناً- على الأقل - وفقاً لحادثة مجنون قريتنا؛ إلا أنه حدثاً مهماً في جوهره؛ بل هو من الأهمية بمكان بحيث يصير مُستغرباً إننا لم نعد نلتفت له، فحديث المرء لنفسه ليس حدثاً نمطيا، ليس مجرد حديث؛ إذ إنه يجعل المرء في قلب العالم، في مواجهة الذات
.
حديث من هذا النوع ... أعني حديث المرء لنفسه من شأنه أن يلمس جلد العالم، الجزء الطري من العالم، ذلك المكان الذي تجيء منه الحياة إلينا كل يوم، فالمرء إذ يحدث نفسه يكون برفقة الحياة، يسمع الصوت المخبوء للأشياء والموجودات، أن يُحدّث المرء نفسه يعني أن يجد الوقت ليكون مع نفسه بكل خرائبها وانتصاراتها، أن يُحدّث المرء نفسه يعني أن يكون مُستعداً لتفهمها لدرجة الحديث معها بالشكل الذي 
يُريده، في الساعة التي يُريدها.
حديث المرء مع نفسه هو الحديث. حيثُ الذات حاضرة بعفويتها وشراستها وجنونها، حيثُ بالإمكان 
الإنتباه قليلاً لهذا الإنسان الذي بداخلنا، الإنسان الذي يكاد أن يفقد أجنحته وأحلامه كلها ويغوص في قعر الجحيم لفرط القوانين التي لاتنتهي، والمُشكلات التي لاتنتهي في ظل هذا الزمن البارد بكل مادياته التي توشك أن تُنْسِي الناسَ الليل والجنون والحديث إلى أنفسهم.
بالطبع سأبدو غريبة أيها العالم، سأبدو غريبة أيها البشر؛ إذ أُنظّر للجنون تقريباً، للخروج عن المألوف، للخروج على الليل، منذ متى لم نُحدّث أنفسنا؟ منذ متى لم نتشاجر مع أنفسنا لم نصرخ في وجه قوانيننا؟
كم هو مهم أن يخرج المرء على قوانين الحياة وتراتبيّة أحداثها، أن يصرخ في وجه الليل أو الضوء أن يحدّث 
نفسه في وقت متأخر من الليل وفي وقت مبكر من الحياة.
أيها البشر... تعالوا نُحدّث أنفسنا قليلاً، نصرخ في وجهنا، نتشاجر مع أنفسنا في وقت متأخر من الليل، نوقظ الأحلام والكوابيس، قد يستيقظ شخص ما في مكان ما على إثر صراخنا وشجارنا وحديثنا مع أنفسنا، يستيقظ ويمد يديه للحياة والأشياء والذات، ويُحدّث نفسه قليلاً... ويعرف أكثر ممايجب، ويبتسم أو يتألم
/
وضحى المسجّن
نُشِرَ في صحيفة الوسط البحرينية
العدد 3384 - الثلثاء 13 ديسمبر 2011م الموافق 18 محرم 1433هـ


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كتب عبدالله السفر-جريدة الوطن السعودية

عبدالله السفر 2013-10-12 يتسلّل الشعورُ بالإحباط وتباطن الكآبة نصوصَ الشاعرة وضحى المسجّن في كتابها "السير وحيدة برفقة أغنية وكلب...