وضحى المسجن: كتابة القصيدة ليست صدفة محضة
كتابة القصيدة ليست صدفة محضة، كل من يكتبون الشِعر يعرفون ذلك، في البدايات ثمّة مصادفات في وقت إنتاج القصيدة، في تشكيل الجملة أو خلق الاستعارات داخل بنيتها، في البدايات -وغالباً ما تكون في مراحل عمريّة مبكرة أو في وقت مبكر من علاقتك بالكتابة الشعرية- تحدث هذه المصادفة، تجيء دون قصد منك، لكن هذه المصادفة لا تحدث دائما، لا تستمر، وبقاء الشاعر منتظراً لتلك المصادفة كي يكتب قصيدته يعني بشكلٍ ما قصوراً في الوعي بمفهوم الشِعر.
شغفك بالكتابة أو إحساسك بأن الشِعر هو الشكل الكتابي الأقدر على التعبير عنك سيدفعك لتكرار تجربة كتابته، وستكتب في أوقات مختلفة، أوقات ستختارها أحياناً ولن يكون في الأمر مصادفة، ستختار الأمكنة التي ستنتج فيها قصيدتك أيضاً وهي ليست أمكنة محددة، الأمر في النهاية يتعلق بطبيعة مزاجك وقدرتك على التوحد مع فكرتك إلى جانب قدرتك على خلق مقاربة بين مشاعرك وأفكارك وتشكيلها في نص.
الخطوات اللازمة لكتابة القصيدة
ها أنت وقد تجاوزت مرحلة الاستسلام لفكرة المصادفة، تمتلك المعرفة اللازمة بمفهوم الشِعر، تفرق بين مبدع يخلق مفارقة عبر لعبة لغويّة تدهشك وبين آخر يدهشك لأنه لامس دواخلك في نص لا يتكئ كثيراً على اللعبة اللغوية. يمكنك الآن أن تكتب قصيدتك في المكان الذي تختاره، يمكنك أن تحضّر لكتابة القصيدة، تبدأ بالخطوات اللازمة لكتابتها، أعرف تماماً ما هي الطقوس اللازمة لكتابة القصيدة، أفهم الخطوات وبإمكاني أن أخبرك بها:
- اجلس في غرفة مغلقة.
- اشرب شاياً.
- انظر للورقة بحيرة، وقل لنفسك ما الذي أفعله؟ أنا المتألم مما يحدث، مما حدث، مما يمكن أن يحدث؟ لماذا أجلس هنا في غرفة مغلقة أنظر لورقة بيضاء، بينما بإمكاني أن أواجه الحدث بطريقة أخرى، طريقة ربما تكون مجدية أكثر.
- واصل السؤال إلى أن يصبح حاداً وغامضاً، إلى أن تبكي وتشفق على نفسك.
- بيدك المرتجفة اكتب ما تريده؟ ما الذي تريد قوله؟ ما الذي تشعر به؟ ما الذي تتوقعه؟ اكتب كل ذلك، اكتبه دون أن تفكر في أن وقاحتك أو جرأتك. قد تخرب حياتك أو تدفع أحداً ما لقطع علاقته بك، دون أن تفكر كيف سيتلقى أهلك ما تكتبه، عليك أن تكون مستعداً للخسارات، فلا تحاول الدخول في تحدي مع طبيعة الشِعر، لا تتخفَّ وراء المجازات على حساب ما تريد قوله في قصيدتك، المجاز وجد كوسيلة لإخراج فكرتك بصورة مناسبة ولم يوجد للتخفي مراعاة لمشاعر أحد، أنت الشاعر، أنت المشرّع الجديد للعالم، فلا تضع اعتباراً لمسلمات ويقينيات بيئتك.. تجاوزها.
- واصل الكتابة بما امتلكته من تقنيات الكتابة ولكن حين تلتفت لنفسك وأنت تلعب بالكلمات كمن يحاول بناء بيتٍ فيبدو له أن اختيار اللون التركوازي لجدرانه سيعجب الآخرين أكثر مما لو اختار اللون الأبيض، حين تلتفت لذلك توقف، وتذكر ما سبق ذكره في الخطوة السابقة، ليس وظيفتك إرضاء أحد… أنا أخبرك أن كتابة القصيدة تتطلب الإساءة للآخر أحياناً، بدلاً من التودد إليه.. اذهب وأسئ للجميع.
- اشرب شاياً مرة ثانية.
- ارجع لقصيدة كتبتها في وقت سابق وتأملها، وقل لنفسك من كتب هذه القصيدة؟ هل كتبتها بالفعل؟ كيف كتبتها؟ كيف كانت الطريقة؟ ستشك في كونك كتبتها؟ بصورة أوضح ستشك في كونك جلست في مكان مغلق تشرب شاياً وتفكر وتتألم فكتبتها، ستعتقد أنها شكلت نفسها، ستعتقد أن ثمّة قوة ما خفيّة تلبستك وأسلمت أصابعك للكتابة، ستبتسم لأنك لم تعد تعرف شيئاً، لا الطريقة التي تكتب بها ولا الطريقة التي تتشكل بها الكلمة داخل الجملة والطريقة التي تولد فيها الاستعارات.
- عد للورقة وواصل الكتابة، واصل وأنت تنظر للجميع.. الأشباح التي تصطدم بجسدك، روحك المتآكلة من قلق مزمن، أنت الملتبس.. أنت الآخر الذي يطاردك في كل درب.. هكذا دائما/ هكذا أبدا، أنتظرهم جميعا واستسلم لذئب الشِعر.
- كن مختفياً متى ما سمحت ظروف حياتك، حتى إذا ما ظهرتَ في مكان تظن أنك شبحك.
بعد كل ما مضى قد تكون كتبت القصيدة التي تريدها أو فتحت باب الغرفة واتجهت إلى أي مكان وأنت تفكر في ما كتبته ولم تكمله، أو ما عجزت عن كتابته في اللحظة التي اخترتها والمكان الذي اخترته، ستصاب بالحيرة والقلق وعلى الأغلب سترسل لصديق مقرب من أصدقائك المجانين الذين أصابتهم حرفة الأدب لتقول:
لم أعد قادراً على الكتابة، أو بصيغة أخرى لا أعتقد أني سأكتب مرة أخرى، وسيخبرك أنك ستكتب، وستشعر بطمأنينة حينها وأنت تمضي في حياتك، وليس في ذلك سر، أنت تعرف أن أي صديقٍ مجنون يشبهك في ولعلك بالكتابة هو طبيبك وبإمكانه أن يطمئنك كما يفعل الطبيب حين تمرض. يقول الطبيب:
- حسناً ستتحسن البحةُ التي ترافق صوتك.
- سيندمل الجرح بعد استخدامك للدواء.
يقول صديقك المجنون:
- ستكتب شيئاً مهم.
- أنا متأكدٌ أنك ستكتب.
الطبيب لديه معطيات واضحة تجعله يأخذ بالأسباب منتظراً النتائج، بينما لا يملك صديقك أي معطيات واضحة تجعله يعرف النتائج فيما يتعلق بكونك ستكتب مجددا.. لكنك تصدقه .
خلف الكواليس
هذا ما يحدث عادة للمصابين بمرض الشِعر، وهذه هي الخطوات التي يجب اتباعها لكتابة القصيدة، لقد ذكرتها لكم كما هي، لم أخدع أحداً فيها، يمكنكم أن تجربوها، لكن لا أضمن أن تكون لديكم قصيدة جيدة؛ لأن هذه الخطوات هي الخطوات التي تلزمني لأكتب قصيدتي، بينما يمتلك الشعراء طرقهم المختلفة لكتابة القصيدة.
جربوا هذه الخطوات وحين تنجح سأجربها أيضاً؛ لأني لا أثق في الخطوات اللازمة للقيام بأي شيء، إنها تتغير بين زمن وآخر حتى بالنسبة لشخص واحد، أعتقد أني حافظت على خطوتين دائماً لأكتب ما أظنه الشِعر:
- نظرت للورقة بحيرة وقلت لنفسي: ما الذي أفعله؟ أنا المتألمة مما يحدث، مما حدث، مما يمكن أن يحدث؟ لماذا أجلس هنا في غرفة مغلقة أنظر لورقة بيضاء بينما بإمكاني أن أواجه الحدث بطريقة أخرى ربما تكون مجدية أكثر.
- واصلت السؤال إلى أن أصبح حاداً وغامضاً إلى أن بكيتُ وأشفقتُ على نفسي.
/
نُشر النص في موقع تكوين
http://www.takweeen.com/?p=7862

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق